التخطي إلى المحتوى

لا يزال أبو القاسم الشابي محلق في سماوات الإبداع والتميز، حتى ما زالت صورته الشعرية ترافق كافة الأجيال لعشقهم لأشعاره ومنبراً للتاريخ والثورات على مدى الأيام، كما يعد أبو القاسم الشابي صاحب الشعر العربي هو شاعر الأمل الكبير للعديد من الأجيال.

كما ولد أبو القاسم في قرية تونسية بمحافظة توزر عاصمة الواحات التونسية، كما نشأ ابناً لأسرة مكينة في معارف الشريعة الإسلامية واللسان العربي، حيث انساب في تلك الواحات انسياب النسيم بين عثا كيل النخل ذي السعوف الطويلة،حيث تعرفت عليه النخبة الأدبية بشكل كبير وواسع خاصة مع صدور جزء من أعماله الأدبية التي جاءت ضمن المجلد الأول من كتاب زين العابدين السنوسي الأدب التونسي في القرن الرابع عشر والذي صادر في عام 1927ميلادي عن مطبعة العرب.

كما لم يكن سيد الشجر المجتبى يمد هامته إلى السماء ويناغي الغيوم ويمد جذوره في أعماق الأرض بكل صمود وانتماء وفخر، حيث كان أكثر قرب إلى السماء أو رسوخً في الأرض من أي من أبناء شابة، وخاصةً من الطفل الوديع الذي التقط أولى صور الحياة في تاريخ 24 من شهر فبراير بعام 1909م لأب من خيرة علماء وقضاة تونس.

كما كان والده قاض شرعي، وقد أنتقل بين مدن وواحات وضواحي متعددة من تونس، كما تنقل معه ابنه أبو القاسم وامتلأ حباً للأرض حيث تنوعت في مخيلته وذاكرته باقات الأزهار الندية والتي كانت تمثلها تونس خلال العشرين الأولى من القرن العشرين.

كما تعلم الشابي من معين القرآن الكريم مبكراً، فحفظه وهو ابن تسعة سنين بعد أن ظهرت عليه آيات النجابة والنباهة وهو يدرج بين كتاتيب مدينة قابس الذي ينتمي إليها أحد كبار علماء المالكية وهو أبو الحسن القاسي.

وفي عام 1920ميلادي قد أرسله والده إلى العاصمة تونس لكي يوسع معارف كُثر من خلال الدراسة الثانوية في جامعة الزيتونة، كما وجد الشابي في العاصمة العديد من المكتبات ومجالس العلماء والكتب العصرية، ثم أقبل عليها إقبال كبيراً وواسعاً فتعلم من الأدب بشكل عام وخاصةً في الأدب الغربي الذي اطلع عليه عبر الترجمات، كما أنه لم يعد البكاء على الأطلال بالطريق الشعري الوحيد للتعبير عن علاقة الإنسان بالكون.

حيث كانت قراءات الشابي في الآداب الغربية وآرائه النقدية المتروكة على هوامش الحراك الثقافي والإبداعي في أوروبا دافع أساسي له لوجود أسئلة جديدة عن الأدب والشعر والإنسان والمواقف وعن المخايل الأدبي للشاعر كيف يتشكل، كذلك دفعته إلى الإزراء على المخيال العربي القديم الذي وصفه بأنه خيال ضحل، وفقير في مقابل ثراء الخيال الغربي الذي تمده الأساطير والأديان والقيم والفنون القديمة وأيضاً المعاصرة، كذلك مددته بأنهار متعددة من التصوير الفني الذي جمع بين مزركشات المادة والكون المحيط به وبين أعماق النفس البشرية، وكان يغوص أكثر في تفاصيل الطبيعة لكي يعيد نسج علاقة جديدة معها.

كما ولم تكن تلك القيم والآراء الأدبية الجديدة التي اعتنقها ابو القاسم الشابي أكثر من بطاقة دخول دائم إلى عمق الرومانسية العربية، والتيار التجديدي بشكل عام.

ثم في عام 1927م أصبح الشابي اسماً أدبياً مشهوراً في تونس مع بداية نشره لقصائده في جريدة النهضة الأسبوعية وهي الحادبة على الطبيعة، كما تعرفت عليه النخبة الأدبية أكثر مع صدور جزء من أعماله الأدبية والتي جاءت ضمن المجلد الأول من كتاب زين العابدين السنوسي الأدب التونسي في القرن الرابع عشر والذي صادر عام 1927م عن مطبعة العرب.

حيث كان الشابي قد اجتاز عتبة الشهرة في عام 1927م، وقد اجتاز فيه عتبة الجامعة بعد حصوله على شهادة ختم الدروس الثانوية من جامعة الزيتونة، كما حاز على أعلى شهادة والتي تُمكن لمن هو في عمره الحصول عليها.

أيضاً بعد الثانوية قد توجه إلى دراسة الحقوق بمدرسة الحقوق التونسية، حيث بدأ بالحس الأدبي والشهرة الشاعرية التي كانت تطغى على الشاب ابن العشرين عام، كما بدأ يدخل في يوميات الفعل الأدبي الكثير من الإبداع والنقد في تونس، كما ألقى في شهر فبراير بعام 1929م أول محاضرة له في المكتبة الخلدونية عن الخيال الشعري عند العرب، ولم يشد بقوة ولا اندفاع في ذلك الخيال بل رآه دون مستوى الخيال الشعري الغربي.