شارك سعادة عبد الله بن خليفة العطية، رئيس مجلس أمناء الأرشيف الوطني القطري، آراءه الشخصية حول علاقته التي استمرت قرابة 65 عامًا مع صاحب السمو الأمير الوالد الراحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، واصفًا إياها برحلة العمر التي بدأت في مرحلة الطفولة واستمرت طوال كل مرحلة من مراحل حياتهم.
يتحدث خلال مقابلة على تلفزيون قطروتحدث سعادة العطية عن العلاقة الوثيقة التي تجمعه بالأمير الوالد، بدءاً من زملاء الدراسة وأصدقاء العائلة، وتطور إلى رفقة مدى الحياة وشراكة مهنية.
وأوضح أن علاقته بسمو الشيخ حمد بدأت في سن مبكرة، في البداية من خلال الروابط الأسرية وليس المدرسة، قبل أن تصبح رفقة يومية خلال المرحلة الإعدادية، حيث درسا في نفس الفصل، وتعلما في نفس المدرسة، وانتما إلى نفس دائرة الأصدقاء.
وقال إن علاقتهما امتدت فيما بعد إلى الخدمة العامة، حيث عمل لسنوات عديدة مديرا لمكتب سمو الأمير الوالد قبل أن يتولى منصب رئيس الديوان الأميري.
وأكد أن الصفات التي اشتهر بها سمو الأمير الوالد ظهرت بالفعل في شبابه. كانت القيادة والشجاعة والتصميم والشعور القوي بالمسؤولية جوانب أساسية في شخصيته منذ سن مبكرة وليست خصائص اكتسبها لاحقًا في الحياة.
وبحسب العطية، فقد أظهر سمو الشيخ حمد باستمرار التزاماً لا يتزعزع بمبادئه، وظل ثابتاً على قناعاته رغم التحديات طوال فترة شبابه وسنوات حكمه وحتى وفاته. وقبل كل شيء، كان الهم الأول لصاحب السمو الأمير الوالد دائما هو قطر وشعبها.
وأشار إلى أن سمو الشيخ حمد يضع دائما مصلحة الوطن فوق صحته ووقته الشخصي، مؤمنا أن لديه مهمة يجب أن ينجزها من أجل بلاده.
ويستذكر حادثة لا تنسى، قال إنه دخل ذات مرة إلى مكتب سمو الأمير الوالد لمناقشة أمور رسمية، ووجده يحمل ورقة لم يكتب عليها سوى أربع كلمات: “الغاز، التعليم، الصحة، الرياضة”. فضوليًا بشأن معناها، طلب العطية من سمو الأمير الوالد أن يشرح لها ذلك.
ورد سمو الشيخ حمد بأن القطاعات الأربعة جميعها تعتمد في نهاية المطاف على الغاز الطبيعي، موضحا أن الاستثمار الهادف في التعليم والرعاية الصحية والرياضة يتطلب الموارد المالية التي سيتم توليدها من خلال تطوير وتسويق احتياطيات الغاز في قطر.
وأوضح العطية أنه على الرغم من ظهور رؤية الاستثمار في الغاز الطبيعي في مرحلة مبكرة، إلا أن تحديات كبيرة تقف في طريقها. وفي ذلك الوقت، كان سوق الغاز الدولي يفتقر إلى الأهمية والجاذبية التجارية التي تتمتع بها صناعة النفط، وكان عدد قليل من الشركات على استعداد للاستثمار في مشاريع الغاز. ومع ذلك، ظل سمو الشيخ حمد ملتزماً بالرؤية، وتغلب في النهاية على تلك العقبات. وأصبحت الإيرادات المتولدة من صناعة الغاز في قطر فيما بعد الأساس المالي لمشاريع التنمية الوطنية في مجالات التعليم والرعاية الصحية والرياضة والثقافة والإعلام والعديد من القطاعات الأخرى.
وبالانتقال إلى معلم آخر، ناقش العطية قرار إلغاء وزارة الإعلام. وكشف أن سمو الأمير الوالد قد فكر في القرار لمدة عام تقريبًا قبل تنفيذه، وناقش الاقتراح على انفراد مع دائرة محدودة من المستشارين الموثوقين.
وأكد أن إلغاء الوزارة أبعد ما يكون عن الإصلاح الإداري الروتيني، فهو يمثل تحولا جريئا في المشهد الإعلامي العربي. في ذلك الوقت، كانت وزارات الإعلام الحكومية بمثابة المصدر الرئيسي للأخبار في معظم أنحاء العالم العربي، مما جعل القرار باستبدال هذا النموذج بنهج إعلامي مختلف غير مسبوق وذو أهمية كبيرة.
وحول طموحات سمو الشيخ حمد المبكرة، قال العطية إنه حتى خلال المرحلة الإعدادية، كان لدى سمو الأمير الوالد رؤية واضحة لمستقبل قطر وأبدى رغبة قوية في خدمة البلاد. وكان يتحدث مراراً وتكراراً عن تطور قطر، وكان يعتقد أنه سيحتل يوماً ما منصباً يمكنه من خلاله التأثير على مستقبل البلاد وخدمة شعبها.
كما أكد سعادة العطية أن التواضع من سمات سمو الأمير الوالد، مؤكدا أن السلطة والقيادة لم تغيرا من شخصيته أبدا. سواء في التجمعات الرسمية أو الأسواق العامة أو المناسبات اليومية، ظل سمو الشيخ حمد ودودًا ودودًا، حيث كان يحيي الناس من جميع الأعمار بحرارة ويستخدم التعابير المحلية المألوفة التي جعلته محبوبًا لدى المواطنين والمقيمين.
كما تضمنت المقابلة عدة أمثلة توضح الولاء الاستثنائي لسمو الأمير الوالد. وأشار العطية إلى أنه عندما علم بوفاة معلمه السابق أحمد منصور، توجه سمو الشيخ حمد شخصيا إلى مصر لتقديم التعازي لأسرة المعلم، واصفا هذه اللفتة بأنها انعكاس لامتنانه لأولئك الذين أثروا في حياته.
وفي مثال آخر، يروي العطية أنه عندما توفي أحد زملائهم السابقين في دبي بعد عقود من تخرجهم من المدرسة الثانوية عام 1968، طلب سمو الأمير الوالد على الفور السفر إلى هناك. وزار برفقة العطية عائلة الفقيد، وقضى ما يقرب من ساعة مع أطفاله، وشاركهم ذكريات والدهم، واستعاد قصصًا من أيام الدراسة على الرغم من مرور أكثر من 20 عامًا على آخر لقاء لهم.
وبحسب العطية، فإن مثل هذه اللفتات الإنسانية العميقة أزالت أي إحساس بالشكليات لدى من يلتقي الأمير الوالد لأول مرة. وعلى الرغم من كونه زعيم الأمة، إلا أنه كان يعامل الجميع ببساطة ودفء، مما يجعل الناس يشعرون أنهم يتحدثون مع فرد عادي وليس مع رئيس دولة. سواء كان يتفاعل مع أفراد الأسرة أو الأصدقاء أو الموظفين أو أفراد الجمهور، فقد حافظ على نفس الطريقة المحترمة والودية.
وشدد العطية على أن قطر وشعبها يظلان دائما على رأس أولويات صاحب السمو الشيخ حمد. منذ مرحلة مبكرة من حياته، كرس كل جهده للنهوض بالبلاد، وغالبًا ما كان ذلك على حساب صحته. لقد تابع عن كثب كل قضية تتعلق بقطر، وكان يسعى باستمرار لتحسين نوعية حياة المواطنين مع الاهتمام أيضًا برفاهية المقيمين المغتربين، على الرغم من أن شعب قطر كان دائمًا يحتل مكانًا خاصًا في قلبه.
وأشار كذلك إلى أن المودة العميقة التي يكنها الشعب القطري لصاحب السمو الأمير الوالد أصبحت واضحة بشكل خاص عند وفاته، عندما شعرت العائلات في جميع أنحاء البلاد كما لو أنها فقدت أحد أفرادها. ووصف العطية الشيخ حمد بأنه شخص يحب الناس دون تمييز ويمتلك ذاكرة غير عادية لمن التقى بهم طوال حياته. خلال المناسبات العامة، كان يتعرف في كثير من الأحيان على الأفراد من مسافة بعيدة، ويطلب مقابلتهم، ويتذكر أنهم درسوا معًا منذ عقود مضت، سواء كانوا قطريين أو أفرادًا من المجتمعات الأجنبية.
وانعكست هذه اللمسة الإنسانية أيضًا في جدول عمله اليومي. وقال سعادة العطية، أثناء عمله مديرا لمكتب الأمير الوالد، إن التعيينات الرسمية غالبا ما يتم توسيعها بناء على طلب سمو الشيخ حمد لتشمل أشخاصا لم يرهم منذ سنوات عديدة. ونتيجة لذلك، زادت الاجتماعات في كثير من الأحيان من أربعة أو خمسة مواعيد إلى تسعة أو عشرة اجتماعات في يوم واحد. ومع ذلك، كان سمو الأمير الوالد يستقبل الزوار بشكل متواصل منذ الصباح الباكر وحتى صلاة العصر دون أن تظهر عليهم أي علامات تعب، ويظهر قدرة ملحوظة على التحمل والصبر والتفاني في خدمة الناس.
ووصف العطية شخصية سمو الأمير الوالد بأنها نموذج استثنائي يستحق الدراسة الأكاديمية، مبينا أن الأجيال القادمة يجب أن تدرس شخصيته وقيادته وإنجازاته. ووصف سمو الشيخ حمد بأنه مدرسة في الأخلاق والتواضع والقيادة السياسية والإنجاز الوطني والوطنية، مشيراً إلى أن إنجازاته شكلت فصلاً من ألمع الفصول في تاريخ قطر الحديث.
كما أشار إلى أن سمو الأمير الوالد كان يتأمل مراراً وتكراراً في إرث مؤسس قطر الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني، مستلهماً الأسس التاريخية للدولة.
وفي معرض الحديث عن نصيحة صاحب السمو الأمير الوالد الأخيرة التي حث فيها شعب قطر على الثبات على الحق والصلاح، قال العطية إن تلك الكلمات تعكس تماما المبادئ التي اعتنقها سمو الشيخ حمد طوال حياته. وأشار إلى أن سمو الأمير الوالد كان يحتفظ بذكريات سنوات دراسته الإعدادية والثانوية حتى أيامه الأخيرة، محتفظا بذاكرة غير عادية مكنته من تذكر الوجوه والأحداث والصداقات في كل مرحلة من مراحل حياته.
ولتوضيح هذا الولاء، أشار العطية إلى إبلاغ الشيخ حمد بأن أحد زملائهم السابقين قد توفي قبل سنوات وأن أطفاله فقدوا الاتصال بالمجتمع منذ ذلك الحين. وسرعان ما رد سمو الأمير الوالد قائلاً: “لا، هذا ليس صحيحاً. لقد كان صديقنا. اسأل عن أبنائه”، مبيناً أنه لم ينس أبداً من شاركهم رحلة الحياة.
وفي حديث عاطفي، اعترف سعادة العطية بأن وفاة سمو الأمير الوالد كانت مؤلمة للغاية ويصعب فهمها. ولأيام بعد ذلك، وجد نفسه يشير بشكل غريزي إلى الشيخ حمد كما لو كان لا يزال على قيد الحياة قبل أن يدرك حقيقة خسارته.
وأضاف أنه على الرغم من أن مساراتهم التعليمية أخذتهم فيما بعد إلى بلدان مختلفة – حيث التحق الشيخ حمد بالدراسات العسكرية في المملكة المتحدة ودرس العطية في الولايات المتحدة – إلا أن صداقتهما لم تتضاءل أبدًا، حيث ظلوا على اتصال من خلال الرسائل، التي لا يزال يحتفظ ببعضها حتى اليوم.
وفي ختام المقابلة وصف سعادة العطية رحيل سمو الأمير الوالد بخسارة لا تعوض، داعيا الله أن يتغمده بواسع رحمته وجنة الخلد. كما أعرب عن اعتقاده بأن صفات الشيخ حمد المتمثلة في التواضع والكرم والقرب من الناس تستمر تحت قيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، مشيرا إلى أن هذه الصفات عززت الروابط بين قيادة البلاد وشعبها.
واختتم كلمته بالدعاء من أجل دوام أمن واستقرار وازدهار قطر.







